السيد كمال الحيدري

347

المعاد روية قرآنية

الأمر بين إيجاد الممكن الأكمل وبين إيجاد الكامل والناقص ، أن يختار الله سبحانه إيجاد الأكمل على إيجاد الكامل فضلًا عن الناقص ، لأنّ العلم موجود والقدرة متحقّقة والمانع مرفوع ، حيث لا وجود لمانع داخلىّ أو خارجىّ يحُول دون ما تعلّق به العلم والقدرة . ولو لم يفعل ذلك للزم ترجيح المرجوح على الراجح ، وهو ممتنع عقلًا . فلو فرضنا أنّ أحد الطرفين كان أكمل والآخر كان كاملًا أو ناقصاً ، ثمّ إنّ الله سبحانه رجّح إيجاد الكامل أو الناقص على الأكمل ، للزم من ذلك ترجيح المرجوح على الراجح ، وهو ممتنعٌ عقلًا . هكذا يثبت المطلوب ، وأنّ الله تعالى قد خلق العالم على أكمل وجه وأتقنه وأنّ الموجود هو أحكم ما يمكن . هذا كلّه على مستوى البحث العقلي ، أمّا الاستدلال النقلي على وجود النظام الأحسن فالقرآن الكريم تؤلّف العديد من آياته قاعدة متينة لإثبات حقيقة النظام الأحسن الذي يرمى بظلاله على أفناء عالم الإمكان ، ومنها : * قوله تعالى : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ( النمل : 88 ) . استدلّ المفسِّرون بهذه الآية على إثبات المطلوب ، كما فعل الآلوسي البغدادي ( ت : 1270 ه ) حين تعقيبه على الآية بقوله : « أي أتقن خلقه وسوّاه على ما تقتضيه الحكمة ، وحسنه ظاهر » « 1 » . وإلى هذا المعنى ذاته أشار الطبرسي ( من أعلام القرن السادس ) وهو يكتب عن الآية : « أي خلق كلّ شئ على وجه الإتقان والإحكام والاتّساق . قال قتادة : أي أحسَنَ كلّ شئ خلقه ، وقيل : الإتقان حسن في

--> ( 1 ) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، مصدر سابق : ج 20 ص 35 .